نبيل أحمد صقر

272

منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير ( التحرير والتنوير )

وقد أضيف إلى اسمه تعالى لفظ الوجه بمعان مختلفة منها ما هنا ، ومنها قوله : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ « 1 » وقوله : إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ « 2 » . وقد علم السامعون أن اللّه تعالى يستحيل أن يكون له وجه بالمعنى الحقيقي ، وهو الجزء الذي في الرأس . واصطلح علماء العقائد على تسمية مثل هذا " المتشابه " وكان السلف يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهرة على اللّه تعالى ، ثم تناوله علماء التابعين ومن بعدهم بالتأويل تدريجا إلى أن اتضح وجه التأويل بالجري على قواعد علم المعاني فزال الخفاء ، واندفع الجفاء . وضمير المخاطب في قوله " وجه ربك " خطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، والمقصود تبليغه إلى الذين يتلى عليهم القرآن ليتذكروا ويعتبروا . ويجوز أن يكون خطابا لغير معين ليعم كل مخاطب . ولما كان الوجه هنا بمعنى الذات وصف ب " ذُو الْجَلالِ " ، أي العظمة " وَالْإِكْرامِ " أي المنعم على عبادة ، وإلا فإن الوجه الحقيقي لا يضاف للإكرام في عرف اللغة ، وإنما يضاف للإكرام اليد ، أي فهو لا يفقد عبيده جلاله وإكرامه ، وقد دخل في الجلال جميع الصفات الراجعة إلى التنزيه عن النقص وفي الإكرام جميع صفات الكمال الوجودية وصفات الجمال كالإحسان « 3 » . وذكر الكشاف في تفسيره هذه الآية : " وَجْهُ رَبِّكَ " ذاته ، والوجه يعبر به عن الجملة والذات ، ومساكين مكة يقولون : " أين وجه عربى كريم ينقذنى من الهوان "

--> ( 1 ) سورة البقرة الآية 115 . ( 2 ) سورة الإنسان الآية 9 . ( 3 ) التحرير والتنوير ج 27 ص 203 ، 254 .